السيد محمد تقي المدرسي
262
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
اخطأه من اكتنهه ، ومن قال : كيف . . . . فقد شبهه « 1 » ، ومن قال : لم . . فقد علّه ، ومن قال : متى . . فقد وقته ، ومن قال : فيم ؟ . . فقد ضمّنه ، ومن قال : إلامً ؟ فقد نهاه ومن قال : حتام ؟ فقد غيّاه ، ومن غياه فقد غاياه ، ومن غااياه فقد جزّأه فقد وصفه ، ومن وصفه فقد ألحد فيه " « 2 » . لا يتغيّر بتغيير المخلوقين " لا يتغير الله بانغيار المخلوق ، كما لا ينحد بتحديد المحدود " « 3 » . لا تعطيل ولا تشبيه " أحد لا بتأويل عدد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، باطن لا بمزايلة ، مباين لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار « 4 » ، مقدر لا يجول فكرة ، مدبر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، شاء لا بهمة « 5 » مدرك لا بمجسة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة « 6 » " .
--> ( 1 ) ( ) فيما يلي تأكيد على الفقرات السابقة وأن أسئلة مثل كيف ، ولم ومتى ، فيم ، وإلى مَ ، وحتام ، وما أشبه تليق بالمخلوقين ، أما الخالق فهذه الأسئلة لا تناله ، لأنه لا شبه له يعرف كيفه ، ولا علة له ولا وقت ولا جزء ولا نهاية ولا غياة . ( 2 ) ( ) فمن جعل الله تعالى غاية ، جعله يشترك مع المخلوق في الغاية ( غاياه ) وصح أن يقال : إن له غايته قبل غاية فلان وبعد فلان ، وهكذا لم يعرفه سبحانه ، لأنه تقدس عن الشبه بالمخلوقين . ويبدو أن هناك علاقة بين وجود الغاية للشيء ووجود أجزاء له ، كما تشير إليه كلمة الإمام ( ومن غاياه فقد جزأه ) فما هي تلك العلاقة ؟ باختصار : إن وجود نهاية للشيء دليل استهلاك الزمن له ، فكلما مر هزيع منه فنى بقدره من ذاته ، وهذا لا يكون إلا في الشيء ذي الأجزاء ، وهذا دليل الخلق وليس الخالق . ( 3 ) ( ) فهو يغير ولا يتغير ، ويحدد ولا يتحدد ، فتغيرات المخلوقين ليست بحيث تغيره ، وفعله في تحديد المحدود لا يحدده . ( 4 ) ( ) لابد أن نخرج الرب عن حدّي التعطيل والتشبيه ، ونعرفه بالإثبات والتنزيه ، فإذا قلنا : إنه أحد ، نتذكر أنه ليس كأي واحد يمكن أن يقارن بالثاني والثالث ، بل هو واحد لا بتأويل عدد . وإذا قلنا : إنه ظاهر ، فلس بمعنى الظهور الذي يباشره النظر ويحيط به شيء غيره ، فليس كظهور نور الشمس على حائط الدار يستوعبه الجدار ، وتباشره العين ، كلا . وإذا قلنا بأنه سبحانه ( متجلٍ ) فإننا لا نثبت له التجلي الذي نعرفه في المخلوقات ، حيث يعني التجلي فيها نظرة العين ، واستهلاك الرؤية . كما إن ربنا باطن ، ولكن ليس كما يُصبح المخلوق باطناً فينفصل عن غيره ، بل لأن كنهه خفي وهو ليس من سنخ مخلوقاته . وهو مباين عن خلقه ، ولكن ليس كمباينة المخلوقات ، تفصل بينها المسافات ، بل مباينته سبحانه مباينة ذاتية ، كما أن قربه لا يعني قرب المسافة ، أما لطفه فليس كلطف الجسم الرقيق ، لأنه لا تجسم فيه ، بل لأنه يصنع الشيء اللطيف ويفعله ووجود الرب ليس بمعنى ظهوره بعد الخفاء أو تحققه بعد العدمية . وفاعليته أيضاً ، ليست كفاعلية المخلوقين حيث يحتاجون إلى الأدوات والآلات ، وهو غني عنها ، وهم إنما يقومون بفعل لدرء خطر أو جلب نفع ، بيد أن ربنا يفعل بحكمة ، ولكن من دون حاجة في نفسه إلى الفعل سبحانه . وهكذا تشابه الألفاظ بين الخالق والمخلوق مع اختلاف في المعاني . ( 5 ) ( ) استمراراً لبيان الاختلاف الذاتي بين الخالق والمخلوق ، وإخراجه سبحانه عن حدي التعطيل والتشبيه ، بين الإمام الرضا ، أنه سبحانه ( يقدر ) ولكن ليس بمثل تقديرنا الذي يتم بعد تتجول الفكر ، ( ويدبر ) ولكن ليس كمثلنا حين ندبر بحركة وننفذ تقديرنا بالحركة . ( ويريد ) ليس بالطريقة التي نريد ، حيث نحدث أنفسنا بالأمر قبل اتخاذ القرار بشأنه ونتردد عادة فيه ، وهذه هي ( الهمامة ) أي الاهتمام والتردد . أما مشيئته فليست بعد القصد الحادث ولا بحثاً عن كمال . ( 6 ) ( ) وهكذا ، ربنا إدراكه بعلمه وليس بالحس والجس ، وإنه سميع ليس بالأذن وبصير لا بعين .